عبدالقادر اللطيفي

وفي الواقع لا نودّ في هذا المقال أن نشنّع على الديمقراطيّة المريضة في مصرَ وفي البلاد العربيّة عامّة، فكاتبُ المقال ممّن يعتقدون أنّ الأحوال السياسيّة في كلّ رقعة في العالم نسبيّةٌ إلى درجة أنّه يمكننا أن نقول أنّ اليَابان في عهد الإمبراطور ميجي، وهو كامبراطور حاكم فردٌ ومطلق، شهدت نهضَتَها الحديثة. وأنّ الاتحاد السوفييتي في الحقبة السوفييتيّة التي توصفُ بالدكتاتوريّة والطّوباويّة الفجّة، حققت إنجازات علميّة مذهلة في ميدان الفضاء وصناعة الأسلحة. بل إنّ الأمر ليتعدّى ذلك إلى العقيدة أو الديانة، فإنّ عبقرية الشعوب لا تمنعها من أن تقوم بإنجازات تاريخيّة عظيمة سواء كانت تحت لواء هذا الدين أو ذاك. وماذا نقول إذن في ما قدّمته مصر في تاريخها الفرعوني، أو إيران زمن امبراطوريّتها المجوسيّة قبل الإسلام، أو حتى إسبانيا في عصرها الإسلامي.
لكنّ المسألة تطرحُ اليوم بإلحاح من حيثُ إنّ مصر بلدٌ ينتمي إلى الدائرة العربيّة قبل الاسلاميّة. وإذا كانت العبقريّة الفارسيّة اليوم قد جعلت الإيرانيين يعرفون كيف يتعاملون ـ على الأقلّ إلى حد الآن ـ مع مستجدّات العصر ومع المتغيّرات اليوميّة في الشرق الأوسط الذي تضع الولايات المتحدة فيه ثقلَها وكلكَلَها. وإذا كان الأتراك بروحهم الطورانيّة قد تمكَنوا من أن يكونوا دولة يُحسَبُ لها ألفُ حساب في المعادلات الدوليّة. فإنّ مصر وللأسف من ورائها كلّ العالم العربي لم تبرهن على عبقريّةٍ ما أو براغماتيّة تستغلّ حوادث العصر لصالحها وتحوّلها إلى وطنيّة إيجابيّة وخلاّقة تتفادى الهزائم وتحصد الانتصارات. وقد أصبح الوضع أكثر سوءا منذ توقيع اتفاقيّة كامب ديفيد في عهد السادات منذ ما يقارب الثلاثين سنةً.
سلسلة من النكسات
إنّ ما يحدث في غزّة هذه الأيام على سبيل المثال هو نتيجة سلسلةٍ طويلةٍ من التراجعات والانهزامات العربيّة على مدى ستين عاما منذ قيام دولة إسرائيل. وكانت الحروب العربيّة الإسرائيليّة حربًا بعد حربٍ تعود بنا إلى الوراء أكثر فأكثر. ليس من حيث انخرام ميزان القوة العسكري بيننا وبين العدو فقط، وإنّما من حيث انحدار معنويات المواطن العربي بتخاذل الأنظمة التي تقود الشعوب العربيّة. فكلّما خرجنا من حربٍ أصبحنا أكثر إذعانًا. والسّؤال الذي يطرحُ نفسَه باستمرار هو: لماذا تحقق دولٌ مثل إيران وتركيا نجاحاتٍ مختلفةً على مستويات عديدة اقتصاديّة وتكنولوجيّة واجتماعية وثقافيّة، ولا تفعلُ مصرُ ذلك إلاّ بقدر محدود؟ بل لماذا تصبحُ بلادٌ مثلَ إيران النّصيرةَ الأولى للفلسطينيين في غزّة وللمقاومة في لبنان.. ونرى من اسطنبول علامات التعاطف الشديد الرسمي والشعبي مع قضيتنا الأم وهي فلسطين وهم الذين طالما وصفناهم بالمحتل والمستعمر التركي.. ولا نرى هذه النصرة الحقيقية والتعاطف الصادق من الدولة المصريّة؟
لماذا يتراجع العرب؟
إنّنا نحاول أن نربط في هذه المقالة بين ارتفاع الروح المعنويّة والشعور بالانتماء إلى وطن حرّ وفاعل، وبين الإنجازات التي يمكن أن تتحقّق على جميع الأصعدة الوطنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافية وغيرها.. فمصرُ التي تمثّل قلبَ العروبة، وذلك أمرٌ لا ينكره إلاّ جاحدٌ، قد تخلّت عن دور أساسي منوطٍ بها تاريخيّا هو حمايةُ الوطن العربيّ كلّه من الانحدار بمختلف أشكاله وليس حماية غزّة الجريحة فقط أو فلسطين. والمسألة لا يمكن إلا أن تختزل في أمرين لا ثالث لهما فبعصر أمريكي إسرائيليّ غاصبٍ ومحتلّ: إمّا أن تعيش بذلّةٍ راضيا بما يُقدّم لك من فُتات سنوي من الغرب كما يحدث مع المساعدات الأمريكيّة


















