ثلاثة أنظمة وثلاثة شعوب
كتبهادسليمان مستو ، في 11 كانون الثاني 2009 الساعة: 09:38 ص
عبدالقادر اللطيفي

وفي الواقع لا نودّ في هذا المقال أن نشنّع على الديمقراطيّة المريضة في مصرَ وفي البلاد العربيّة عامّة، فكاتبُ المقال ممّن يعتقدون أنّ الأحوال السياسيّة في كلّ رقعة في العالم نسبيّةٌ إلى درجة أنّه يمكننا أن نقول أنّ اليَابان في عهد الإمبراطور ميجي، وهو كامبراطور حاكم فردٌ ومطلق، شهدت نهضَتَها الحديثة. وأنّ الاتحاد السوفييتي في الحقبة السوفييتيّة التي توصفُ بالدكتاتوريّة والطّوباويّة الفجّة، حققت إنجازات علميّة مذهلة في ميدان الفضاء وصناعة الأسلحة. بل إنّ الأمر ليتعدّى ذلك إلى العقيدة أو الديانة، فإنّ عبقرية الشعوب لا تمنعها من أن تقوم بإنجازات تاريخيّة عظيمة سواء كانت تحت لواء هذا الدين أو ذاك. وماذا نقول إذن في ما قدّمته مصر في تاريخها الفرعوني، أو إيران زمن امبراطوريّتها المجوسيّة قبل الإسلام، أو حتى إسبانيا في عصرها الإسلامي.
لكنّ المسألة تطرحُ اليوم بإلحاح من حيثُ إنّ مصر بلدٌ ينتمي إلى الدائرة العربيّة قبل الاسلاميّة. وإذا كانت العبقريّة الفارسيّة اليوم قد جعلت الإيرانيين يعرفون كيف يتعاملون ـ على الأقلّ إلى حد الآن ـ مع مستجدّات العصر ومع المتغيّرات اليوميّة في الشرق الأوسط الذي تضع الولايات المتحدة فيه ثقلَها وكلكَلَها. وإذا كان الأتراك بروحهم الطورانيّة قد تمكَنوا من أن يكونوا دولة يُحسَبُ لها ألفُ حساب في المعادلات الدوليّة. فإنّ مصر وللأسف من ورائها كلّ العالم العربي لم تبرهن على عبقريّةٍ ما أو براغماتيّة تستغلّ حوادث العصر لصالحها وتحوّلها إلى وطنيّة إيجابيّة وخلاّقة تتفادى الهزائم وتحصد الانتصارات. وقد أصبح الوضع أكثر سوءا منذ توقيع اتفاقيّة كامب ديفيد في عهد السادات منذ ما يقارب الثلاثين سنةً.
سلسلة من النكسات
إنّ ما يحدث في غزّة هذه الأيام على سبيل المثال هو نتيجة سلسلةٍ طويلةٍ من التراجعات والانهزامات العربيّة على مدى ستين عاما منذ قيام دولة إسرائيل. وكانت الحروب العربيّة الإسرائيليّة حربًا بعد حربٍ تعود بنا إلى الوراء أكثر فأكثر. ليس من حيث انخرام ميزان القوة العسكري بيننا وبين العدو فقط، وإنّما من حيث انحدار معنويات المواطن العربي بتخاذل الأنظمة التي تقود الشعوب العربيّة. فكلّما خرجنا من حربٍ أصبحنا أكثر إذعانًا. والسّؤال الذي يطرحُ نفسَه باستمرار هو: لماذا تحقق دولٌ مثل إيران وتركيا نجاحاتٍ مختلفةً على مستويات عديدة اقتصاديّة وتكنولوجيّة واجتماعية وثقافيّة، ولا تفعلُ مصرُ ذلك إلاّ بقدر محدود؟ بل لماذا تصبحُ بلادٌ مثلَ إيران النّصيرةَ الأولى للفلسطينيين في غزّة وللمقاومة في لبنان.. ونرى من اسطنبول علامات التعاطف الشديد الرسمي والشعبي مع قضيتنا الأم وهي فلسطين وهم الذين طالما وصفناهم بالمحتل والمستعمر التركي.. ولا نرى هذه النصرة الحقيقية والتعاطف الصادق من الدولة المصريّة؟
لماذا يتراجع العرب؟
إنّنا نحاول أن نربط في هذه المقالة بين ارتفاع الروح المعنويّة والشعور بالانتماء إلى وطن حرّ وفاعل، وبين الإنجازات التي يمكن أن تتحقّق على جميع الأصعدة الوطنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافية وغيرها.. فمصرُ التي تمثّل قلبَ العروبة، وذلك أمرٌ لا ينكره إلاّ جاحدٌ، قد تخلّت عن دور أساسي منوطٍ بها تاريخيّا هو حمايةُ الوطن العربيّ كلّه من الانحدار بمختلف أشكاله وليس حماية غزّة الجريحة فقط أو فلسطين. والمسألة لا يمكن إلا أن تختزل في أمرين لا ثالث لهما فبعصر أمريكي إسرائيليّ غاصبٍ ومحتلّ: إمّا أن تعيش بذلّةٍ راضيا بما يُقدّم لك من فُتات سنوي من الغرب كما يحدث مع المساعدات الأمريكيّة السنوية لمصر، وتسكت عن المظالم والقهر كأي جبَان وإمّعَة. وإمّا أن تقف وقفة الحرّ الذي يشعر بالنخوة، وهو أسمى شعور وأفضلُ إحساسٍ بالذّات، ولو بنصف كسرة وخبزة يابسَة. و’العقلانيون’ أو
‘العقلاء والحكماء’ من العرب يقولون لنا أن الوقوف في وجه أمريكا وإسرائيل هو عين الجنون فاحنوا الرؤوس. ونحن نقول إنّ إيران في صراعِها الحالي المرير مع الغرب تحقّق أفضل نسبِ النمو الاقتصادي بشهادة الدوائر الاقتصاديّة العالميّــة بدءا من الأمم المتـحدة. وإذا كانت إيران منذ سنة 2004 لم تنزل إلى أقلّ مما نسبتـــه 4 في المائـــة ( وهي على التوالي: 4.8 بالمائة سنة 2004 و5.7 بالمائة سنة 2005 و6.2 بالمائة سنة 2006 حسب ما أعلنَه حسين صمصامي المشرف على وزارة الشؤون الاقتصاديّة والماليّة الإيرانيّة، مع خفض الاعتماد على العائدات النفطيّة وتعزيز الخصخصة) . وإذا كانت تركيا قد أصبحت تُعدّ من الأقطاب الاقتصاديّة الكبرى في المنطقة ومعها إيران، وتعِد بنسبِ نموّ متزايدة في السنوات المقبلة مع ناتج قوميّ حالي يقدّرُ بـ 458200000000 دولار وناتج فردي يُقدّرُ بـ 6.700 دولار للفرد الواحد وحيث ستشهد استقطاب أعداد كبيرة من الأيدي العاملة.. عِلْما وأنّ كلاّ من إيران وتركيا تخوضان معارك دبلوماسيّة وعسكريّة إمّا في الداخل أو في الخارج مِمّا يضطرّ البلديْن إلى إنفاقٍ عسكري متزايد.. إذا كانت إذن إيران وتركيا على هذه النّسَب من النمو، فإنّ مصر لا تفوق هذين البلديْن في شيء بل تأتي بعدهما دائما رغم الاستقرار الاجتماعي والهدوء العسكري اللذيْن تشهدهما منذ عقود وطوال فترة السّلم مع إسرائيل، إذ لم تخض أيّ حرب منذ 1973. ورغم الثروات المختلفة من قناة السويس مرورا بالسياحة وصولا إلى الغاز والبترول. فالأرقام المقارنة تبرهن على هذا التفاوت والاختلاف (الناتج القومي الإجمالي: إيران: 478000000000 دولار. تركيا: تقدّم ذكرُه. مصر: 404900000000 دولار ـ الناتج الفردي: إيران: 7.000 دولار. تركيا: تقدّم ذكره. مصر: 5.400 دولار). وفي حين تشهد الدولتان الأوليان نموا متواصلا وواعدا، فإنّ مصر دخلت منذ بداية 2008 في نفقِ من التضخم الجامح وعلى وجه خاص في أسعار الغذاء، حتى أصبحت طوابير الخبز من المشاهد المألوفة الواردة علينا من القاهرة والأقاليم الداخليّة، في التلفزيونات العالميّة. وفي التقرير السنوي للدول الجاذبة للاستثمار جاءت مصرُ في المركز 165 من أصل 175، وهي في المركز 77 من الدول التي تطبّق الشفافية، مع تزايد أعداد العاطلين عن العمل إلى 2.135 مليون عام 2007 حسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ما يحدث نتاج للتداعي المصري
كيف يمكن لمصر إذن أن تدعي بأن السياسة المبنيّة على مهادنة إسرائيل عبر معاهدة مذلّة وطويلة الأمَد، وعلى الاتكال شبه الكامل على الغرب وأمريكا في المسألة الاقتصاديّة ، هي سياسة راشدة وحكيمة وبها تتحقّق المصلحة الوطنيّة والقوميّة معا، ونحافظ بواسطتها على كرامة الشعب المصري والعربي عمومًا؟
إنّ موقع مصر من التاريخ والجغرافيا والسياسة يجعلها أهم بكثير من إيران وتركيا. وما الواقع الذي يعيشه العالم العربي كلّه من تداعٍ وتخاذل وانقيادٍ للسياسة الإسرائيلية إلا نتاجٌ للتداعي المصري السابق. ولم تكن أي دولة عربية لتجرؤ على توقيع ولو ربع معاهدة مع إسرائيل لولا انسياق مصر وتداعيها بل وتهاويها. وهكذا فإننّا نحمّل مصر ـ النظام المصري تحديدا منذ السادات إلى الآن ـ المسؤوليّة الكبرى في الانحدار التاريخي للعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، وما وصلْنا إليه عموما في شأن القضيّة الأم: فلسطين. والدّليل هو ما نشهده هذه الأيام من تخاذل مهين للسلطات المصريّة في نجدة إخوانهم الفلسطينيين في غزّة نتيجة الخيار السياسي المهادن الذي لم يحقق لا الخبز ولا الكرامة في الداخل المصري وخارجَه. فهل يُعقلُ أن تتواطأ مصرُ مع إسرائيل بأي شكل من الأشكال في قتل الأبرياء من المواطنين العزّل؟ وفي الوقت الذي يسكت فيه الرئيس المصري عن أي تعليق أو موقف حاسم، يقوم نجاد من إيران بالشجب والاستنكار وحتى الوعيد، ويُعلَنُ في إيران الحِدادُ على الشهداء الفلسطينيين. في هذا الوقت تظلّ الحكومات العربيّة والأنظمةُ العربيّة عامّة صامتةً ذليلة تنتظر التحرّك الدولي وتراقب مدى الضّوء الأخضر الذي سينطلق من واشنطن وتلّ أبيب لينير لها درب الاحتجاج المحتشم والمخزي في شكل قمم طارئة لا تغني ولا تسمن من جوع أوبياناتٍ عفّى عليها الزمن . هل يُعقَل أن تظلّ مصر شأنَها شأن أي دولةٍ هامشيّة تكتفي بالتفرّج والتخاذل؟
متى تعود الأمّ الكبرى إلى رشدها حتى ينبثق بصيصٌ من الأمل في مستقبلٍ عربيّ ليس فيه وطنٌ مغتصبٌ ولا مواطنٌ مقهور؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : سياسة | السمات:سياسة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























