فراس حداد

في نطاق متابعتنا لتحليل مشكلات الاقتصاد السوري، وعلى رأسها موضوع الدعم توجهت مجلة (أبيض وأسود) إلى الدكتور عصام الزعيم وزير الصناعة السابق، ومن قبلها التخطيط ورئيس جمعية العلوم الاقتصادية واتحاد الاقتصاديين العرب ومدير عام المركز العربي للدراسات الاستراتيجية، لتستطلع آراءه حول هذه المواضيع، ومعه كان اللقاء التالي:
د. عصام، إلى ماذا تعيد أسباب المشكلات الاقتصادية التي يعاني منها الاقتصاد السوري اليوم؟
يجب علينا بداية تحديد المشكلة القائمة في الاقتصاد السوري، حتى نستطيع بعدها أن نعيدها إلى أحد الأمرين هل هي مشكلة مالية أم هي مشكلة سياسات اقتصادية، أم هي الاثنتان معاً، وفي إطار هذا التحليل تتلخص المشكلة المثارة والموجودة اليوم في تجنب التدهور في العجز والذي استمر عند ما يقارب 5 % في الفترة الماضية بين (2001-2005) والذي يعود إلى استيراد المشتقات النفطية (وليس دعم المشتقات النفطية)، وباعتقادي فان قصور التخطيط الاستراتيجي هو ما أوصلنا إلى تفاقم هذه المشكلة اليوم، وسأعطي العديد من الأمثلة كدليل على ذلك:
1 - ففي ما يتعلق بالنفط فمن المعلوم منذ عدة سنوات بأن الإنتاج النفطي يتجه إلى التضاؤل، وأن طاقة الإنتاج الحالية غير ملبية للاقتصاد في المستقبل، فلو أن الدولة قامت بإنشاء مصاف في بداية العقد الماضي لكنا الآن على ما يرام، ولما اضطررنا إلى أن نصدر النفط الخام ونستورد مشتقاته، وخصوصاً في ظل ارتفاع الأسعار العالمية.
2 - وفي مثال آخر يمكننا أن نذكر الأسمنت هذه المادة التي يمكن إنتاجها بسهولة في سوريا، و التي تتقاضى الدولة من إنتاجها إيراداً كبيراً، وهنا يأتي السؤال لماذا تتهاون الجهة المسؤولة عن القيام بتطوير طاقة الإنتاج، مما جعل هذه المادة من المواد التي تتصدر قائمة مستورداتنا اليوم.
3 - وكمثال ثالث فنحن الآن في حالة استكفاء من مادة القمح، ولكن هذا العام شهد لأول مرة سحب بعض الكميات من الاحتياطي الاستراتيجي، صحيح أن الدولة قد نجحت في أن تقيم حداً أدنى يعتمد على الري (وهو إنجاز يسجل) إلا أن الفائض للتخزين يعتمد على المطر، ومع النمو السكاني الشبه ثابت في بلادنا فإن نمو إنتاج القمح لا يتمتع بهذا الثبات نظراً لاعتماده على الأحوال الجوية، لذا فنحن الآن أمام تحد كبير في مجال القمح وهو أن نقرأ هذه المشكلة من الآن، وأن نعمل على تحقيق طفرة في الإنتاج لحلها.
4 - وإذا ما تحدثنا عن المساكن ففي الفترة بين عامي (1995 و2004) كانت الدولة تؤمن 21 % من المساكن المطلوبة (كنسبة من عقود الزواج الموقعة أي إذا تم 100 عقد زواج فالدولة تؤمن مسكناً لـ21 منهم) وإذا ما أخذنا الحضر لوحده فإن النسبة تنخفض إلى 13.8 % فقط..
كل تلك الأمثلة وغيرها توصلنا إلى نتيجة أساسية وهي وجود قصور تخطيط استراتيجي في البلاد.
كثر مؤخراً الحديث عن موضوع دعم الدولة للمشتقات النفطية، وعن ما يخلفه من آثار سلبية على العجز المالي، فما هي رؤيتك للموضوع؟
أولاً أعتقد بأن هناك تهويلاً كبيراً في القصة، ففي ما يتعلق بالأرقام فإن 350 مليار التي يجري التحدث عنها مؤخراً تعني 7 مليارات دولار، وحتى صندوق النقد الدولي (الذي أشرف على دراسة قصة الدعم وعمل على وضع سيناريوهاتها) يقول في دراساته حول سوريا بأن الدولة إذا لم تقم برفع الدعم فإن العجز الذي ستواجهه سيصل إلى 10 مليارات دولار، لكن متى، بعد عشر سنوات!!؟
وبالتالي فإن رقم 7 مليارات دولار الآن فيه تهويل زائد خصوصاً بأنه لو وجد حقاً، لكان قد أدى إلى عجز كبير في الميزان التجاري ولرأيناه في بنية الواردات وهو أمر غير موجود تماماً.
أما الأمر الثاني الذي يجب التنويه له أن المشكلة لا تتعلق فقط بقطاع المحروقات لتغطية العجز المالي، لأننا يجب أن ننظر إلى الأمور بشكلها الكلي وعندما ننظر إليها بشكل مجتزأ لا نراها على حقيقتها، فهناك أموال كثيرة لم تستخدم إلى اليوم، وهناك بواقي غير مستثمرة من السنوات الماضية، كما أنه هناك مجال للتوفير في مرافق أخرى، وبالتأكيد هناك موضوع الضرائب وضرورة تحقيق العدالة الاجتماعية، وبالتالي نحن بحاجة لأن يدفع أصحاب الأرباح مزيداً من الضرائب، مما سيوفر إيرادات للدولة لتغطية عجزها من جهة، وتحقيق العدالة الاجتماعية من جهة أخرى، أما الاستشهاد بأن الدول المجاورة لا تفرض مثل هذه الضرائب فهنا يجب التنبيه إلى أننا دولة مقاومة، ولسنا دولة ذات سياسات استسلامية تعتمد على المعونات، كما أننا لسنا كالدول التي تعاني ضغطاً كبيراً من دينها الخارجي، حتى نطبق سياسات اقتصادية شبيهة بها.
إذاً نحن ندعم وجود حق مضمون للربح، لكن بنفس الوقت يجب أن يكون حق المجتمع (في الضرائب) موجوداً أيضاً.
بالإضافة إلى ذلك فمنذ عدة سنوات ونحن نتحدث عن تشكيل الشركات المساهمة لتعبئة الادخارات، ولكن ماذا فعلنا بالمقابل، قمنا بتشجيع الناس على شراء السيارات (لننصاع لمتطلبات الاتحاد الأوروبي)، من خلال تخفيض الضرائب لأول مرة منذ 40 عاماً، مما فوت على الحكومة إيرادات ضخمة من جهة، وحول المدخرات إلى الطابع الاستهلاكي من جهة أخرى، كما جعل القطاع المصرفي الخاص في البلاد والذي يجب أن يدعم تمويل المشاريع التنموية في البلاد، يتوجه مباشرة إلى إعطاء اهتمامه لتمويل شراء السيارات من خلال العديد من القروض...
صحيح بأنه لكل بلد طرقه، لكن المغرب الآن لديه مشروع مع شركة بيجو لإنتاج 400 ألف سيارة سنوياً، بدلاً من التوجه الدائم للاستيراد، صحيح أننا بدأنا بالتصنيع المحلي (على الرغم من استيراد كافة المستلزمات من الخارج) إلا أن حجم الإنتاج إلى الآن لا يؤثر كثيراً في السوق المحلية.
هذا في الوقت ذاته الذي يشهد فيه قطاع النقل العام مشكلات كثيرة وباعتبار أن الدولة تتبنى الاقتصاد الاجتماعي، فيجب عليها أن تتبنى تطوير قطاع النقل العام، فمشروع مترو دمشق مضى عليه ربع قرن وهو قيد التداول، أما موضوع الحافلات التي تعمل اليوم فهو حقاً يثير الدهشة، فهل من المعقول تجديد الوسائل القديمة في قطاع النقل على الرغم من أن النقل في البلاد لا يحتاج إلى أكثر من 25 إلى 27 راكباً، فلماذا لم يتم جلب وسائل حديثة كان يمكن لها أن تعمل على الغاز كما في العديد من الدول.
إذا فالمشكلات مرتبطة ببعضها...
من المعلوم أن اقتصاد السوق الاجتماعي هو النظام الذي يسعى دوما لتلبية مطامح الناس وتسخير اقتصاد السوق لتحقيق ذلك وهو مطبق في العديد من الدول المتقدمة، فأيهما برأيك يجب أن يأتي أولا اقتصاد السوق أم الطابع الاجتماعي؟ وهل سيؤثر اعتبارنا دولة ذات اقتصاد نام على تطبيقه؟
المسألة يجب أن تنطلق من الخصوصية السورية، وبكونها جزءاً من العالم أيضاً، فالاقتصاد السوري هو اقتصاد نام لذا هناك من يقول بأننا يجب أن نطبق سياسات السوق ومن ثم ننتقل إلى الاجتماعي، لكن هذا الأمر لا يتوافق مع ما أوضحته القيادة القطرية التي أكدت على تحقيق التوازن بين الربح من جهة والتنمية الاجتماعية من جهة آخرى، وهنا لا بد بأن ننوه بأن نظام السوق الاجتماعي يفترض عدالة اجتماعية لا سوق فقط (ولذلك فنحن الآن بحاجة لأن يدفع أصحاب الأرباح مزيداً من الضرائب) وهنا نحن لا نقصد الحديث عن دول الرفاه وإنما نقصد دولة عدالة اجتماعية وفقاً للاقتصاد النامي، وبالتالي نحن نريد أن ننطلق مما هو قائم حالياً نحو زيادة التوزيع أي أن نؤكد على تحقيق عدالة التوزيع مع الاستمرار في التنمية، وكلما تحقق ذلك ستزداد الخدمات الاجتماعية وستكون بعد 10 سنوات أعلى بكثير مما هي عليه اليوم.
لكن إلى اليوم ما نراه فعلياً هو تطبيق لسياسات التثبيت الاقتصادي، والبدء بالتكييف الهيكلي في الاقتصاد السوري، وهي نفسها السياسات التي ينصح بها صندوق النقد الدولي؟
أعتقد أنه كلما أخذنا برأي صندوق النقد الدولي ابتعدنا عن الخيار الوطني، وهنا يجب أن نكون واضحين ونبين ما هي المعايير التي يعتمدها صندوق النقد الدولي، حتى نبين لم نحن لسنا معها، فالأسعار وفقاً لسياساته يجب أن لا تكون أقل من 80 % عن الأسعار العالمية، وأعود وأذكر بأن من ينادي بأن الأسعار يجب أن تكون كالأسعار العالمية هو قول غير صحيح، وإذا ما قبلنا به فالأجور أيضاً يجب أن تكون كالأجور العالمية، وأي تحليل غير ذلك فهو أمر غير مقبول من الناحية المنطقية.
(وهنا يجب أن نعلق على من يطالب بأن تصل أسعار المشتقات النفطية في الأسواق السورية إلى الأسعار الدولية، وبأنها يجب أن تكون كالدول المجاورة، بأن تلك الدول ليست دولاً منتجة للنفط).
نحن قد نكون مع التثبيت المالي والاقتصادي الذي يدعو إليه ولكن بالتأكيد ليس بصورة مطلقة، فسياساته ليست بقدس الأقداس والحل الحقيقي هو بالتنمية ومضاعفة الاستثمار باتجاهاتها الصحيحة، وهنا لابد من الإشارة إلى وجود نمو كبير في القطاعين المصرفي وقطاع التأمين، لكن ما هو انعكاس هذا النمو على التنمية الاقتصادية ككل في البلاد، وهنا أسأل ما هو عدد من شغل في هذه القطاعات (والذي لا يتجاوز بضعة آلاف).
سمعنا مؤخراً العديد من المسؤولين الاقتصاديين يركزون على مقولة اقتصادية تقول: (إن التسعير الإداري يؤدي إلى اختلالات في التوازنات الكلية) ويعتمدون على ذلك في ضرورة تحرير الأسعار، ويؤكدون بأن الإصلاح الاقتصادي كله يتوقف على ذلك، ما رأيك بذلك خصوصاً مع جنون الأسعار الذي تشهده الأسواق السورية هذه الأيام؟
أولاً فإن التوازنات ليست أمراً مطلقاً، وللعلم فإن التطور الاقتصادي في العالم لم يتم على أساس توازنات وإنما على أساس اختلالات ديناميكية، ثانياً فإن كلمة تسعير إداري تحتاج فعلاً إلى توضيح فإذا قامت الحكومة بتسعير الطاقة والكهرباء لدعم الصناعة والزراعة، فهذا التسعير الإداري يخدم التنمية مباشرة، وتسعير الخبز مثلاً هو مفهوم مفيد جداً اجتماعياً مثله مثل تسعير المواد الغذائية الأساسية.
المشكلة الأساسية برأيي أن الأسعار في السوق اليوم هي أسعار عشوائية، وهي أسعار يعاني منها المنتجون والمستهلكون معاً بأشد الخسائر، والسبب في ذلك يعود إلى التجار وكثرة الوسطاء في أي قطاع و الذين ينهبون أكثر مما يحق لهم بكثير، فمن جهة يشترون البضائع من المنتجين بأقل الأسعار ومن جهة أخرى يتحكمون بالسوق ويبيعون المستهلك بأعلى الأسعار.
السوق إذاً ليس آلية تتسم بالكمال وإنما هي آلية ناقصة الكمال تحتاج دوماً إلى ضبط وتوجيه من الدولة، وبالنسبة لتدابير الدوريات التي يعمل بها حالياً فهي لا تفيد، ما يفيد هو تدخل الدولة اقتصادياً بالسوق لتبيع من خلال منافذها كالمؤسسات الاستهلاكية (التي يجري الحديث عن تصفيتها الآن) بأسعار معقولة تضبط الأسواق وتجبر التجار على تخفيض الأسعار، نعم تدخل الدولة هو الحل وهي نقطة خلاف مع الفريق الاقتصادي اليوم.
وإلا فإن القدرة الشرائية للمواطنين ستسمر بالانخفاض، صحيح بأنني أؤيد الترشيد، لكن ينبغي أن لا يكون سبيلاً لإضعاف القدرة الشرائية عند المواطن وزيادة الأزمة الاجتماعية، كيف ونحن في هذه الظروف نضعف القدرة الشرائية للمواطن؟
وهنا لابد أن أشير لعدم دقة التقارير التي تؤكد بأن المستفيد من وضع الأسعار الحالي ودعم الدولة لها هم الأغنياء، صحيح أن دخلهم أكبر بكثير من الفقراء، لكني أسأل كم عدد الأغنياء في سوريا وهل هم الغالبية، وعلى سبيل المثال فهل غالبية من يستخدم البنزين هم من الأغنياء فعلاً أم من السائقين!!؟ لنصل إلى حقيقة بأن غالبية من تدعمهم الدولة اليوم هم من الفقراء
كتبها دسليمان مستو في 10:45 صباحاً ::
الاسم: دسليمان مستو
